الغزالي

76

إحياء علوم الدين

فأما إذا رآه قد شتم غيره في غضبه ، أو أتبع نظره امرأة مرت به ، فهذه الدلالة ضعيفة . فكم من إنسان يتحرج في طلب المال ، ولا يكتسب إلا الحلال ، ومع ذلك فلا يملك نفسه عند هيجان الغضب والشهوة . فليتنبه لهذا التفاوت . ولا يمكن أن يضبط هذا بحد فليستفت العبد في مثل ذلك قلبه وأقول : إن هذا إن رآه من مجهول فله حكم . وإن رآه ممن عرفه بالورع في الطهارة والصلاة وقراءة القرءان ، فله حكم آخر إذا تعارضت الدلالتان بالإضافة إلى المال وتساقطتا وعاد الرجل كالمجهول . إذ ليست إحدى الدلالتين تناسب المال على الخصوص . فكم من متحرج في المال لا يتحرج في غيره ، وكم من محسن للصلاة والوضوء والقراءة ويأكل من حيث يجد فالحكم في هذه المواقع ما يميل إليه القلب ، فإن هذا أمر بين العبد وبين الله فلا يبعد أن يناط بسبب خفىّ لا يطلع عليه إلا هو ورب الأرباب ، وهو حكم حزازة القلب ثم ليتنبه لدقيقة أخرى ، وهو أن هذه الدلالة ينبغي أن تكون بحيث تدل على أن أكثر ماله حرام ، بأن يكون جنديا أو عامل سلطان أو نائحة أو مغنية . فإن دل على أن في ماله حراما قليلا لم يكن السؤال واجبا ، بل كان السؤال من الورع الحالة الثالثة : أن تكون الحالة معلومة بنوع خبرة وممارسة ، بحيث يوجب ذلك ظنا في حل المال أو تحريمه . مثل أن يعرف صلاح الرجل وديانته وعدالته في الظاهر ، وجوز أن يكون الباطن بخلافه . فهنا لا يجب السؤال ، ولا يجوز كما في المجهول . فالأولى الإقدام والإقدام هاهنا أبعد عن الشبهة من الإقدام على طعام المجهول . فإن ذلك بعيد عن الورع وإن لم يكن حراما . وأما أكل طعام أهل الصلاح فدأب الأنبياء والأولياء . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا تأكل إلَّا طعام تقيّ ولا يأكل طعامك إلَّا تقيّ » فأما إذا علم بالخبرة أنه جندي أو مغن أو مرب ، واستغنى عن الاستدلال عليه بالهيئة والشكل والثياب ، فهنا السؤال واجب لا محالة كما في موضع الريبة ، بل أولى